خليل الصفدي

83

أعيان العصر وأعوان النصر

الكرك بقي مدة ، ووظيفتاه ليس بهما أحد ، فتولى مكين الدين بن قروينة الجيش ، وبقي أخو جمال الدين - الكفاه - في الخاص يسده إلى حين حضور أخيه ، فلمّا حضر جمال الكفاه من الكرك تسلم وظيفتيه في الجيش والخاص ، وبقي كذلك مدة ، وأضيف إليه نظر الدولة أيضا ، وصار هو عبارة عن الدولة ، ثم إنه أمسك وحمل شيئا من الذهب تحت الليل ، وأفرج عنه ، وخلع عليه ، وأعيد إلى وظائفه ، ثم إنه أمسك وفعل كالمرة الأولى ، ثم أفرج عنه وأعيد ، وتمكن من السلطان الملك الصالح إسماعيل ، وعظم عنده ، وكتب له الجناب العالي ، ولم يكتب ذلك إلّا للوزير ، ثم رسم له بإمرة مائة ، وتقدمة ألف ، وأن يلبس الكلوتة ، ويلعب الكرة مع السلطان في الميدان ، فما كان إلّا وهو في هذا الشأن هل يقبل ذلك أو لا ؟ حتى عمل عليه ، وأمسك هو وجماعة من مباشري الدولة فتوهمها كالواقعة التي قبلها ، فقتل هو بالمقارع وولده إلى أن مات هو تحت العقوبة ، ورموه بأمور اللّه أعلم بصحّتها من فسادها . وكان في أول أمره عند الأمير علاء الدين طيبغا القاسمي « 1 » كاتبا ، ومدّة مباشرته الخاص وما معه ست سنين . وكان - رحمه اللّه تعالى - حسن الشكل ، مليح القامة ، حلو الوجه ، ظريف العمامة ، يتحدث بالتركي جيدا ، ونما في ذلك اللسان عن فصاحته متحيدا ، وما كتب أحد أقوى من علامته ، ولا أكبر ولا أحسن ، ولا أقعد من حروفها ، ولا أمدّ ولا أمتن ، بزته مليحة ، وعبارته فصيحة ، وفكرته متسرعة ، وخبرته عن صحة ذهنه متفرعة ، وشجاعته بالإقدام متدرعة ، وهمته عن الرذائل متورعة مع لطف عشرة ، وظرف تنديب يرقص إذا أبدى بشره ، يحب الفضلاء ويدنيهم ، ويعينهم بالجود ، ويغنيهم يقضي أشغالهم ، ويحمل أثقالهم ، وكان يولع بفن التصحيف ، ويأتي فيه بالرائق الظريف ، قال يوما ونحن جلوس في دار ابن خالته ، وهو ما هو في عظمته وجلالته ، وقد جرى تصحيف عجيب بين مبتدي ، ومجيب فقال لي : هو بحبل يشنق ، فما مرت بأذن أحد إلّا وأطرق ، وغاص في بحرها واستغرق ، وقمت أنا إلى الطهارة ؛ لقضاء ما لا بد منه ، ولا غنى لكل أحد عنه ، وخاطري بما قاله متعلق ، وبرق فهمها غير متألق ، وفي ذهابي ملت إلى قلبها وتصحيفها ، فظهرت لي فائدة تأليفها ، فعدت إليه قبل ذهابي ، وأسرعت إيابي ، وقلت له : ما ظهر لي في حلّها ، وسقيته من

--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة له في موضعها .